السلام عليكم ورحمه الله وبركاته السلام على الشيخ وعلى خدام مولانا المعظم صلوات الله وسلامه عليهم كان لدي استفسار على أحد الأحاديث أشكل علي اتمنى منكم أن تشرحوه لي وتساعدوني في فهمه ﴿ معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام «أنّ أبا الحسن عليه السلام كان إذا اغتمّ ترك الخمسين»﴾ فهمت من هذا الحديث أن مولانا الكاظم صلوات الله وسلامه عليه ترك النوافل عند الهم والغم لكن اولا ماهو هذا الهم والغم وهل يمكن أن يحدث هكذا شيء من المعصوم صلوات الله وسلامه عليه أليس الامام المعصوم لا يترك سنة ولا يعمل مكروها الا في التقية خاصة مع ورود الأحاديث الكثيرة في الكراهية الشديدة لترك نوافل الصلاة خصوصا حتى عبر عنها بالمعصية ﴿فعن أبي جعفر عليه السلام: وإن تارك هذا يعني النافلة ليس بكافر، ولكنّها معصية، لأنّه يستحب إذا عمل الرجل عملاً من الخير أن يدوم عليه﴾ ﴿وعن الصادق عليه السلام في صحيحة ابن سنان الواردة في مَنْ فاته شيء من النوافل : إِنْ كَانَ شُغُلُه فِي طَلَبِ مَعِيشَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا، أَوْ حَاجَةٍ لأَخٍ مُؤْمِنٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْه، وإِنْ كَانَ شُغُلُه لجمع الدنيا والتشاغل بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ فَعَلَيْه الْقَضَاءُ، وإِلاَّ لَقِيَ الله سبحانه وتعالى وهو مستخفٌّ مُتَهَاوِن، مُضَيِّع لِحرمة رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله»﴾ فكيف يمكن الجمع بين الروايتين الشريفتين وطبعا سؤالي الأهم أليس المعصوم لا يترك سنة فأتمنى أن تتفضلوا وتشرحوا لي أنا القاصر عن فهم مطالب ال محمد عليهم السلام مما علمتم جعلنا الله وإياكم خير الخدم لمحمد وآل محمد ووفقكم الله لكل خير بحق محمد وال محمد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بمراجعة الشيخ،
إن المعصوم عليه السلام بشرٌ يعرض عليه ما يعرض على البشر من الهم والغم، وهذا القرآن الحكيم قد أثبت ذلك في سيد المعصومين محمد صلى الله عليه وآله، إذ يقول سبحانه: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ). بيد أن المعصوم ليس كسائر البشر، فإنهم إذا أصابهم الهم والغم والضيق؛ كثيرًا ما يكون ذلك لأجل الدنيا، أما المعصوم فلا يكون ذلك منه إلا لأجل الدين، والتحسر على العباد الضالين، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا)، وقوله: (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)، وقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
والمعصوم عليه السلام لا يترك سنة إلا لسنة، ومن السنة أن إذا أصيب المرء بالغم ونحوه؛ تُتْرك النافلة إلى حين استعادة النفس عفوها ونشاطها وإقبال القلب عليها، وفي ذلك أحاديث عديدة لك أن تراجعها في جامع الأحاديث (ج7 ص147 وص148)، منها ما عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله: «إن للقلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلت فتنفَّلوا، وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة»، وما عن أمير المؤمنين عليه السلام: «وخادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها، إلا ما كان مكتوبًا عليك من الفريضة»، وما عن الرضا عليه السلام: «إن للقلوب إقبالًا وإدبارًا أو نشاطًا وفتورًا، فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرت كَلَّتْ ومَلَّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها»، وما عن الحسن الزكي العسكري عليه السلام: «إن للقلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقصروها على الفرائض».
بل إن من السنة ترك النافلة إذا زاحمت ما هو أولى من الأعمال، كما لو كان في طلب معيشة لا بد منها أو قضاء حاجة لأخٍ مؤمن، وهو ما تضمَّنه حديث الصادق عليه السلام الذي ورد في سؤالك، والذي يفيد ارتفاع المذمة عمن يترك النافلة لمثل هذه الأعمال التي هي عند الله سبحانه أولى وأرجح.
ولا يخفى أن المعصوم عليه السلام كثيرًا ما يكون في مقام تعليم الغير عمليًّا، ولذا ترك الكاظم عليه السلام النافلة مع الغم حتى لا يتحرَّج الناس ولا يحملون أنفسهم على ما لا إقبال لقلوبهم عليه، فإن أحدًا بعد الكاظم عليه السلام ليس له أن يزايد عليه أو يسبقه إلى فضل. وهذا كمثل ترك المعصوم عليه السلام النافلة في الحرب، وترك بعض النوافل في السفر، فإن كل ذلك من السنن. والمذمة إنما تقع على تارك النافلة تهاونًا أو استخفافًا أو تشاغلًا بالدنيا، لا على تاركها لعارضٍ شرعي من هذه العوارض. والمعصوم - كما تقدَّم - منزَّهٌ عن العوارض الدنيوية. إنما يغتم المعصوم ويهتم ويحزن ويأسف؛ لله سبحانه، كما يومئ إليه حديث حمزة بن بزيع عن أبي عبد الله عليه السلام «في قول الله عز وجل: (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ) فقال: «إن الله عز وجل لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه، وسخطهم سخط نفسه؛ لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك. وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك. وقد قال: من أهان لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها، وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ). فكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك. ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر، وهو الذي خلقهما وأنشأهما، لجاز لقائل هذا أن يقول: إن الخالق يبيد يومًا ما؛ لأنه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يُؤمَن عليه الإبادة، ثم لم يُعرَف المكوِّن من المكوَّن، ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق. تعالى الله عن هذا القول علوًّا كبيرًا، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه. فافهم إن شاء الله تعالى» (الكافي ج1 ص144).
ومع ذلك فإن المراد بقوله عليه السلام: «كان إذا اغتم ترك الخمسين» ليس تركها كلها، كيف وفيها الفرائض؟! بل المراد ترك بعضها، أي ترك تمام الخمسين، كما نبَّه عليه شيخ الطائفة رضوان الله تعالى عليه، وذلك لأن النوافل على مراتب بحسب الروايات، يُتَنَزَّلُ من أعلاها إلى أدناها مع العوارض، فبعد الخمسين أو الإحدى والخمسين؛ تكون الست والأربعون، وبعدها الأربع والأربعون. فلا محالة يكون الكاظم عليه السلام قد أخذ بإحدى هذه المراتب، تعليمًا للغير كما تقدَّم.
وفقكم الله لمراضيه.
مكتب الشيخ الحبيب في أرض فدك الصغرى
22 جمادى الأولى 1448 هجرية